أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ (حرب) هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرِّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمْ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ[385] إِلاَّ ذَلُّوا.
فَتَواكَلْتُمْ[386] وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ[387]، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوْطَانُ. وَهـذَا أَخُو غَامِد وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الاَْنْبَارَ[388]، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا[389]، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالأُخْرَى الْمُعَاهَدَةِ[390]، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا[391]، وَقُلْبَهَا[392]، وَقَلاَئِدِهَا وَرُعُثَهَا[393]، مَا تَمْتَنِعُ (تمنع) مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ[394] وَالاِسْتِرْحَامِ. ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ[395] (موفورين) مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ[396]، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ; فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هـذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً;
فَيَا عَجَباً ! وَاللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَن حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً[397]، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً[398] يُرْمى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْنَ! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ (الصّيف) قُلْتُمْ: هـذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ[399] ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الْحَرُّ[400]، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ : هـذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ[401]; أَمِْهلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ; كُلُّ هذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ ; فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!
يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حُلُومُ الاَْطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ[402]، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً، وَاللهِ، جَرَّتْ نَدَماً وَأَعَقَبَتْ سَدَماً[403] (ذمّاً). قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلأتُمْ قَلْبِي قَيْحاً[404]، وَشَحَنْتُمْ[405] صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ[406] التَّهْمَامِ[407] أَنْفَاساً[408]، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخذْلاَنِ; حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْب.
للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً[409]، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهـا أنا ذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ[410]! وَلكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ !
من احد الخطب المشهورة للامام علي
دون تعليق
__DEFINE_LIKE_SHARE__
|