إن الصراعات الحضارية والعقائدية تشطر الناس إلى شطرين : سلباً وإيجاباً ، ويجري هذا التشطير والإنقسام بصورة مستمرة فيما بعد وإلى ما شاء الله من العصور ، وكلما يكون إمتداد القضية أعمق في وجدان الناس ، كلما تكون الآثار الحضارية المترتبة عليها أوسع وأقوى .
ومعركة الطف أبرز هذه المعارك والصراعات نظراً للمواجهة والمقابلة العقائدية والحضارية والسياسية التي تمت في هذه المعركة أولاً . وثانياً وضوح كل من المعسكرين في هذا التباين الحضاري والخلقي ، فلم يكن يخفى أمر الحسين ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة على أحد من المسلمين ، كما لم يكن يخفى أمر يزيد بن معاوية أبن آكلة الأكباد ، وسلالة الشجرة الملعونة في القرآن على أحد ، ولم يكن يشك أحد ( في ذلك التاريخ وإلى اليوم ) في ماهية وحقيقة الطرفين المتصارعين ومن منهما يدعوا إلى الله ، ومن منهما يدعوا إلى النار . وثالثاً: المأساة الألية التي حدثت لسبط رسول الله (ص) ، وأهل بيته وأصحابه في كربلاء يوم عاشوراء .
كل هذه العوامل وغيرها تجعل قضية الطف قضية متميزة في التاريخ ، تفرض نفسها على الإنسان فرضاً ، وتشطر الناس تجاهها شطرين متميزين ، الشطر الموافق والناصر والمنتمي والمرتبط والموالي ، والشطر المخالف والمعادي . ولا تدع أحداً يقف بين الصفين ليتفرج على المعركة من دون أن يصيبه غبار من المعركة من هنا أو هناك .
فلابد من موقف محدد ، ولابد من ولاء وبراءة ، فلا يلتبس الحق بالباطل على أحد يلم بظروف هذه المعركة في أمرها .