أبن الرومي
مقدمة:
الحمد لله العظيم شأنه , القوي سلطانه , الظاهر إحسانه , المنفرد بالوحدانية والجلال , الذي لا يصوره وهم ولا خيال , ولا يخيل في عقل , ولا يتمثل في نفس ولا يتصور في ذهن , والصلاة والسلام على صحبه وسلم.
سوف أتناول في بحثي عن البارودي وسوف أعرض من خلاله هذا البحث عن مولده و نشأتة و عملة .
ولد علي بن عباس بن جريج بن الرومي في بغداد سنة 835 م , فأبوه من أصل يوناني , وكان مسيحياً واعتنق الإسلام . وأمه واسمها حسنة وهي من أصل فارسي . وقد أفاد ابن الرومي من علم والده في دروسه الأولى . ثم تتلمذ على أكثر من أديب في زمنه ومحيطه , مثل رجل اللغة أبي العباس الملقب بثعلب (815-903م) , والمبرّد (828-890م) , واتصل بمحمد بن حبيب الراوية في اللغة والأنساب . وقد آثر السعة والعمق في الثقافة حتى إذا هو واحد من كبار المثقفين في عصره . وبرز ذلك في شعره . وطلب الحياة زاهية وممتعة , ورفض كلّ زهد فيها أو كفاف . ونهم في طلب اللذة , فما هو يرتوي , أو يقارب ثمالة . ويضعف , ويتزوج وينجب ثلاثة أولاد لا يبرأون في ضعفه , وإذا هم فريسة الأمراض المختلفة . ويهصرهم الموت صغاراً الواحد تلو الآخر , وتلحق بهم أمهم زوجة الشاعر الأولى , ولم يثبت ابن الرومي أمام الأرزاء والنكبات , ويزداد ضعفاً , ويسوء مزاجه , ويحتاج دائماً إلى المال , ويطلبهأصدقائه ومعارفه , ومن أكثر من وزير ونافذ في وسطه . ولا يجد بسراً أو كفاية , ويزداد ضعفاً واضطراباً في أوضاعه وأحواله ، وتوفي سنة 896م ,
ثقافته :
لم يمض ابن الرومي الطفولة والصبا في جهل وفاقه , وكلنه جنى قدراً من المعرفة في بيته الأبوي .... ثم تتلمذ على أكثر من رجل على وأدب وفلسفة . وقال عنه الشاعر أبو العلاء المعري

وكان يتعاطى الفلسفة ). ويقول عنه المؤرخ العربي المسعودي صاحب مروج الذهب

إن الشعر كان أقلّ وأدواته ). وتظهر ثقافة ابن الرومي في شعره . وإذا هي من أبرز المصادر لدراسته . وهو يحيط بشتى المذاهب الكلامية المعروفة في عصره , كالاعتزال , والجبرية , والإرجاء وغيرها . وقد اطّلع على ما شاع في زمنه من معارف مترجمة يونانية , وفارسية . وتثبت له معرفة الموسيقى , وأنواع الغناء . وهو ذو دراية بمختلف علوم العربية . وقد برزت سعة إطلاعه ومعارفه في شعره ونثره . وإنه يدل تلقائياً على ثقافته في مواقفه وآرائه , ونظراته , وخواطره ويستوي شعره خير مرجع لمعرفة ثقافته على تنوّعها واتساعها.
شخصيته :
أحب ابن الرومي الحياة ورغب حتى النهم في العيش . وطلب المعرفة فما هو يعرف حدّاً في الأخذ منها , ويردها في أكثر من منهل , ومصدر , ومجال . وتكثر مواهبه وإمكاناته , فيغنى برهافة الإحساس , وعمق الشعور الذي يتجاوز به حدود مألوف الحس والتفكير . ويندفع مع مشاعره , فتقل عنده الحيلة , وما يستطيع التفاعل المرن مع مجتمعه أو أن يلبس لكل حالة لبوسها . وما هو يجدّ في اكتشاف أسباب فقره أو جدب سعيه , ويميل متعباً متهدّماً إلى التشاؤم والتطيّر ويقلق في أفكاره , ويضطرب في تصوراته . ويعادي مدفوعاً بتقلّب خواطره , وتكاثر حاجاته . ويرضى فيمتدح , ويغضب أو يثور فيهجو . ولا يطمئن في عيشه . ولا يستقر في حال وتعمق نزعته الوجدانية , وما يغيب عن تألق وتفرّد . وتسطع رؤيته وما يقف في حياد , ويشارك في بعض صراعات مجتمعه ومنازعاته , حتى يظن أن فيه شعوبية وما هو يعمق فيها أو ينطرّف ويزداد شعوراً بذاتيته فيهرب كحال الرومانسيين في عصور مقبلة إلى الوحدة وإلى الطبيعة . ويزيده ألم الغربة النفسية انطلاقاً وحدّة في المشاعر , ويفتح قلبه لصرخات المقهورين ,والمعذّبين والأشراف الثائرين ويمتلكه مزاجه الحاد ليضيق بمصطنعي إثارته وإزعاجه , فيندفع في الهجاء والسخرية ليروي نقمته ويشفي غلّته .
وتظهر خلال ذلك سمة من الطفولة في اندفاع انفعالاته . وتختلف أطواره , ويتناقض مع الطبيعة , فقد يأنس بها حيناً , وينطلق مهللاً لمفاتنها , وإلاّ فهو يهجس , ويخاف , ويشيع الخوف والمزاج , والأحاسيس , وإذا لم يكن له أن يهنأ أو يطمئن في أوساط بعض حالات الطبيعة , وما هو يصفو مع القدر مع الحب , والجمال عند المرأة , أو في ويستسلم متداعياً متألماً له . ويستمر الشاعر الفنان في مختلف أطواره ومراحل حياته . ويستوي كل ذلك طابع شخصيته .
آثاره
لقد أنشأ ابن الرومي كثيراً من القصائد والمقطوعات , وهي ظهرت متفرّقة وغير كاملة في عدد من المراجع الأدبية المعروفة , مثل : العقد الفريد لأحمد بن عبد ربه , ( والعمدة في نقد الشعر ومحاسنه ) بن رشيق القيرواني , وزهر الآداب لأبي اسحق الحصري , وغيرها . وقد جمع قسماً من آثار ابن الرومي الشعرية الكاتب المصري المعروف كامل كيلاني . وقدم لهذه المجموعة الأستاذ عباس محمود العقاد , ثم قام الدكتور حسن نصّار بجمع شعر ابن الرومي في ديوان ضخم . ولابن الرومي مجموعة من الرسائل تحكي عن مدى عطائه في النثر الفني .
شعره:
جاب ابن الرومي آفاق الشعر , فرثى ومدح وهجا وتغزّل , وشكا ووصف وأكثر في الوصف . ونسج الحكم والأمثال , وهو يستوحيها من واقع الحياة والمعاناة . وأرسل الآراء والخواطر . وقارب الفلسفة في أكثر من رأي له أو رؤية , وقد أعطى في المدح وما جلّى , ولعل مواهبه الفنية الأصيلة لم تتح له أن يمهر ويجيد في وصوليّة أو ابتغاء كسب , فيرفع الدعي الوضيع , ويكذب في القبح , ويبارك سارقي المجد , ومدّعي الشرف , ومصطنعي العظمة ولكن الحاجة تدفعه فيمدح , وما هو يبلغ في ذلك ما يصبو إليه على غير صعيد . وأعطى في الرثاء عطاء مخلصاً في فقد أهله , وغير أهله , وهو يسطع خالداً فيه بأكثر من قصيدة . وجال في الهجاء فتميّز بتشخيصه الفني المؤثر للعيوب , ومطاردة النقص والزيف . وأكثر في الشكوى والعتاب , والتطير والتشاؤم . ونسج مبدعاً في شعر الطبيعة . واستوت له الوحدة العضوية في القصيدة العربية . وتباينت آراء الباحثين والنقّاد في شعره .
ابن الرومي في الوصف
لاابن الرومي مع الوصف لقاء عطاء متنوع , وإبداع , فهو فر مرابعه تجلّى , وفي هياكله تعبّد . وينطلق هذا الشاعر في الوصف مع الوجود وهو يراه رؤيته , ويصفه , ويصوره , لينصهر الموضوع مع الذات . وتتعدد معطياته الوصفيّة فهي تشمل المرأة , والطبيعة , وما في المجتمع من مظاهر جاذبة أو متغيرة , وما في النفس الإنسانية من خفايا وأسرار , وعيوب , وما تقدمه الحياة من متع أو مفاتن , أو توحي به من مخاوف وأخطار ونوائب .
ويعشق ابن الرومي , وإذا هو في عالم المرأة مع قلبه وجسده , وريشته , فهو يعجب فيحب , ويفتن , ويرغب ويستلهم , ويرسم , أو يصف , ويغلب على غزله الطابع الوصفي . ويعطي في ذلك قصائد طويلة , أو سيمفونيات قصيرة متميزة .
نص وصفي من شعر ابن الرومي
وحيد المغنيّة
يا خليلـي تيـّمتني وحيـدُ ففؤادي بها معنّى عمـيدُ
غادة زانها من الغصــن قدُّ ومن الظبي مقلتان وجـيدُ
وزهاها من فرعها ومن الخـدّ ين ذاك السواد والتـوريدُ
أوقد الحسن ناره في وحيــد فوق خدِّ ما شانه تخــديدُ
فهي برد بخـدّها وســـلام وهي للعاشقين جهد جهـيدُ
لم تضر قط بخــدّها وهوماء وتذيب القلوب , وهي حديدُ
ما لما تصطليه من وجنتــيها غير ترشاف ريقها تبـريدُ
الطبيعة عند ابن الرومي
تحكي الرياض كما الأرض حكاياتها البهيّة الزاهية عند ابن الرومي . الذي يقلق في مجتمعه , ويشكو وسطه فيشارف اليأس , ولا يجد سوى الطبيعة يلجأ إليها , ويلوذ بها , وهو يصفها وينطلق مع روائعها , وتتباين لوحاته الفنية فيها , وهو يصحبها في مختلف فصولها وحالاتها ومشاهدها .
الرياض الشاكرة
ورياض تخـايل الأرض فيها خيـلاء الفـــتاة في الأبراد
ذات وشي تنـاسـجته سـوار لبــقات بحـوكـه وغـواد
شكرت نعمة الولي على الوسـ مي , ثم العـهاد بعد العــهاد
فهي تثـني على السمـاء ثنـاء طيّب النشر شائعاً في البــلاد
من نسـيم كأن مسـراه في الأر واح مسرى الأرواح في الأجساد
حملت شكـرها الريــاح فأذّت مـا تـؤديه السـن العـــوّاد
منـظر معجـب تحــية أنـف ريحـــها ريـح طيب الأولاد
تتداعـى فيها حمــائم شــتى كالبواكي , وكالقيان الشـوادي
من مثان ممتّــعات , قــران وفـراد مفجّــعات وحــاد
تتــغنّى القران منهنّ في الأيـ ـكِ وتبكي الفراد شجو الفراد
ابن الرومي في الرثاء
شكل السرور
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركما عندي
ألا قاتل الله المنــايا ورميــها
من القوم حبّـات القلوب على عمد
توخّى حمام الموت أوسط صبيتي ,
فـلـلّه كيف اختار واسـطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته
وآنست في أفعاله آيــة الرشــد
ابن الرومي في الهجاء
يتخذ ابن الرومي الهجاء أحد ضروب الشعر البارزة , فيتسع مداه وتتعدّد مواضيعه وتتنوع منطلقاته ومعطياته وأبعاده وصيغه الفنيّة .
صاحب الوجه الطويل
وجهك يا عمرو فيه طول وفي وجوه الكلاب طولُ
مقابح الكلب فيك طــرّاً يزول عنها , ولا تـزول
وفيه أشياء صـــالحات حمـــاكها الله والرسول
فالكلب واف , وفيك غـدر ففيــك عن قدره سـفول
وقد يحــامي عن المواشي وما تحامى ولا تصــول
وأنت من أهـل بيت سـوءِ قصــّتهم قصّة تطــول